ابوالعرب
2008-11-04, 10:14 AM
مزدلفة وأحكامها
الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد :
باب : فيه بيان لم سميت المزدلفة بهذا الإسم ؟
بوب البخاري بابا قال فيه :
باب قولـه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الْلَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: 114)وزُلفاً: ساعاتٍ بعدَ ساعات، ومنه سُمِيت المزدَلفة ، الزُّلَف: منزلةٌ بعد منزلة ، وأما زُلفى فمصدرٌ من القُربى. ازدَلَفوا: اجتمعوا. أزلَفنا: جمعنا.
باب : لم سميت بجمع ؟
جاءت أحاديث عديدة فيها ذكر جمع فماهو سبب تسميتها؟
قال ابن حجر : (بجمع) بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة، وسميت جمعاً لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، وروي عن قتادة أنها سميت جمعاً لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل وصفت بفعل أهلها لأنه يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه بالوقوف فيها، وسميت المزدلفة إما لاجتماع الناس بها أو لاقترابهم إلى منى أو لازدلاف الناس منها جميعاً أو للنزول بها في كل زلفة من الليل أو لأنها منزلة وقربة إلى الله أو لازدلاف آدم إلى حواء بها.
باب :مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين وإفاضته من عرفات
قال مسلم : ..حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ . حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ . حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. إِلاَّ الْحُمْسَ. وَالْحمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ. كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً. إِلاَّ أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَاباً. فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ. وَكَانَتِ الْحُمْسُ لاَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ . وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (2البقرة الآية: 991). قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ. وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ. يَقُولُونَ: لاَ نُفِيضُ إِلاَّ مِنَ الْحَرَمِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.
باب أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بالسَّكينةِ عندَ الإِفاضةِ ويكون عند غروب الشمس ، وإشارتهِ إليهم بالسَّوطِ
قال البخاري : حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سُوَيدٍ حدَّثَني عمرُو بنُ أبي عمرٍو مَولى المطَّلبِ أخبرَني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ مَوْلَى والِبةَ الكوفيُّ حدَّثَني ابنُ عباسٍ رضيَ اللّهُ عنهما «أنهُ دَفَعَ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يومَ عَرفةَ، فسمعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وراءهُ زَجْراً شديداً وضَرباً وصَوتاً للإِبلِ، فأشارَ بسَوطِه إليهم وقال: «أيُّها الناسُ، عليكم بالسَّكينةِ، فإِنَّ البِرَّ ليسَ بالإِيضاعِ». أوْضعوا: أسْرَعوا. خِلالكم منَ التَّخلُّل: بينكم. {وفجَّرْنا خِلاَلُهُما} (الكهف: 33): بينهما
قال أبو دواد : حدثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن الأعمش ح وحدثنا وهب بن بيان ثنا عبيدة ثنا سليمان الأعمش المعنى عن الحكم عن مقسم عن بن عباس قال : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة وقال أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل قال فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا زاد وهب ثم أردف الفضل بن العباس وقال أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم بالسكينة قال فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى مني .قال الشيخ الألباني : صحيح
وقال أبو دواد : حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال : ثم أردف أسامة فجعل يعنق على ناقته والناس يضربون الإبل يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم ويقول السكينة أيها الناس ودفع حين غابت الشمس قال الألباني : حسن دون قوله لا يلتفت والمحفوظ يلتفت وصححه الترمذي .
قال أبو دواد : حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن بن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة قال : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الألباني : حسن صحيح
باب : كان صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإن وجد خلوة نص
قال البخاري : حدَّثنا عبدُاللّهِ بنُ يوسفَ أخبرَنا مالكٌ عن هشامِ بن عُروةَ عن أبيهِ أنه قال: «سُئلَ أُسامُة وأنا جالسٌ: كيفَ كانَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم يَسيرُ في حَجَّةِ الوَداع حينَ دَفَع؟ قال: كان يَسيرُ العَنَقَ ، فإِذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ». قال هشامٌ: والنَّصُّ فوقَ العنَقِ، قال: فَجْوَة: مُتَّسَع، والجمعُ فَجوات وفِجَاء، وكذلك رَكوة ورِكاء. «مَناصٌ» ليسَ حينَ فِرار.
باب :الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة وجواز الفصل بينهما يسيرا ولايتنفل بينهما .
قال البخاري :حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكٍ عنْ موسى بنِ عُقْبةَ عن كُرَيْبٍ مولى ابنِ عبّاسٍ عن أُسامةَ بنَ زَيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يقول: دَفَعَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم مِنْ عَرَفَةَ، حتى إذا كانَ بالشِّعْبِ نَزَلَ فبالَ، ثمَّ تَوَضَّأ ولم يُسْبغِ الوُضوءَ. فقلتُ: الصلاةَ يا رسولَ اللّهِ. فقال: الصلاةُ أَمامَكَ. فَرَكِبَ. فلمّا جاءَ المُزْدلِفةَ نَزَلَ فتوَضَأ فأسْبَغَ الوُضوءَ ثمَّ أُقيمَتِ الصلاةُ فصلَّى المَغْرِبَ، ثمَّ أَناخَ كلُّ إِنسانٍ بَعيرَهُ في مَنزلِه، ثمَّ أُقيمَتِ العِشاءُ فصلَّى، ولم يُصَلِّ بينَهما.
وقال البخاري : حدَّثنا آدَمُ حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عن سالمِ بنِ عبدِ اللّهِ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال «جَمَع النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بينَ المغربِ والعِشاءِ بجمْعٍ. كلُّ واحدةٍ منهما بإِقَامَة ولم يُسَبِّح بَيْنهما، ولا على إثْرِ كُلِّ واحدةٍ منهما».
وقال أبو دواد بعد رواية ساقها لابن عمر - بنحو ماذكره البخاري -: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا حماد بن خالد عن بن أبي ذئب عن الزهري : بإسناده ومعناه وقال بإقامة إقامة جمع بينهما قال أحمد قال وكيع صلى كل صلاة بإقامة . قال الألباني : صحيح
وقال البخاري : حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلدٍ حدَّثَنا سليمانُ بنُ بلالٍ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ قال: أخبرَني عَديُّ بنُ ثابتٍ قال: حدَّثَني عبدُ اللّهِ بنُ يزيدَ الخَطْميُّ قال: حدَّثَني أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ «أنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم جَمعَ في حَجَّةِ الوَداعِ المغرِبَ والعِشاءَ بالمُزْدلفةِ».
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك قال : صليت مع بن عمر المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين فقال له مالك بن الحرث ما هذه الصلاة قال صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بإقامة واحدة . قال الألباني : صحيح بزيادة لكل صلاة .
من الفوائد لهذا الباب :
1-ماقاله النووي في شرحه على مسلم : وفيه الجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء في هذه الليلة في المزدلفة وهذا مجمع عليه لكن اختلفوا في حكمه، فمذهبنا أنه على الاستحباب فلو صلاهما في وقت المغرب أو في الطريق أو كل واحدة في وقتها جاز وفاتته الفضيلة،
2-(ولم يصل بينهما شيئا)قال النووي : «ولم يصل بينهما شيئاً» ففيه أنه لا يصلي بين المجموعتين شيئاً، ومذهبنا استحباب السنن الراتبة لكن يفعلها بعدهما لا بينهما، ويفعل سنة الظهر التي قبلها قبل الصلاتين والله أعلم. قلت : فيه نظر في صلاة الرواتب فإنه يتركها الحاج والله أعلم .
3-وماقاله ابن حجر في القتح : يستفاد منه –رواية ابن عمر - أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء تؤخر سنة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الاجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما. انتهى ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده (قلت : أي في صحيح البخاري ويقصد حديث ابن مسعود الآتي بعد بابين ).
ومنه قوله :
(بالمزدلفة)-يقصد في حديث أبي أيوب - مبين لقوله في رواية مالك عن يحيى بن سعيد التي أخرجها المصنف في المغازي بلفظ «أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجة الوداع المغرب والعشاء جميعاً» وللطبراني من طريق جابر الجعفي عن عدي بهذا الإسناد «صلى بجمع المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة» وفيه رد على قول ابن حزم: إن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولاإقامة، لأن جابراً وإن كان ضعيفاً فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني أيضاً فيقوى كل واحد منهما بالآخر.
باب : ذكر رواية فيها بيان أن الفصل كان بعد العشاء وليس بين الصلاتين كما في الرواية السابقة
قال مسلم : ..حدّثنا إِسْحَـقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ . حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ . أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، : كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللّهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ للْمَغْرِبِ. فَأَنَاخَ رَسُولَ اللّهِ نَاقَتَهُ وَبَالَ (وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ) ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً لَيْس بِالْبَالِغِ. فقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللّهِ الصَّلاَةَ. فَقَالَ: «الصَّلاَةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ. فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ. ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ. وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ. فَصَلَّى. ثُمَّ حَلُّوا. قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ. وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.ورواه مسلم
فيه من الفوائد
تخفيف الوضوء ثم إسباغه بمكان آخر
باب : تنقل ابن مسعود بينهما
قال البخاري : حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ حدَّثنا زهيرٌ حدَّثَنا أبو إسحاقَ قال سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ يقول «حجَّ عبدُاللّهِ رضيَ اللّهُ عنه، فأتَينا المزدَلفة حينَ الأذانِ بالعَتَمةِ أو قَريباً من ذلكَ، فأمرَ رجُلاً فأذَّنَ وأقام، ثمَّ صلَّى المغرِبَ، وصلَّى بعدَها ركعتَينِ، ثمَّ دَعا بعَشَائهِ فَتَعَشَّى، ثمَّ أمَرَ ـ أُرَى رجلاً ـ فأذَّنَ وأَقَامَ» قال عمرٌو ولاأعلمُ الشكَّ إلاّ من زُهيرٍ «ثمَّ صلَّى العِشَاءَ ركعتين. فلمَّا طَلَع الفَجْرُ قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان: لايُصلِّي هذِه الساعةَ إلاّ هذِه الصلاةَ في هذا المكانِ من هذا اليوم. قال عبدُالله: هما صلاتان تُحوَّلانِ عن وقتهما: صلاةُ المغربِ بعدَ مايأتي الناسُ المزدلِفةَ، والفجرُ حينَ يَبزُغ الفجرُ، قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يَفعلُه».
من الفوائد :
ماقاله ابن حجر في الفتح :
1-(فأمر رجلاً) لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد فإن في رواية حسن وحسين المذكورتين «فكنت معه فأتينا المزدلفة، فلما كان حين طلع الفجر قال قم، فقلت له إن هذه الساعة مارأيتك صليت فيها».
2-(حج عبدالله) في رواية أحمد عن حسن بن موسى، وللنسائي من طريق حسين بن عياش كلاهما عن زهير بالإسناد «حج عبدالله بن مسعود فأمرني علقمة أن ألزمه فلزمته فكنت معه» وفي رواية إسرائيل الآتية بعد باب «خرجت مع عبدالله إلى مكة ثم قدمنا جمعاً».
3- واستدل بحديث ابن مسعود على جواز التنفل بين الصلاتين لمن أراد الجمع بينهما لكون ابن مسعود تعشى بين الصلاتين، ولاحجة فيه لأنه لم يرفعه، ويحتمل أن لايكون قصد الجمع، وظاهر صنيعه يدل على ذلك لقوله إن المغرب تحول عن وقتها فرأى أنه وقت هذه المغرب خاصة، ويحتمل أن يكون قصد الجمع وكان يرى أن العمل بين الصلاتين لايقطعه إذا كان ناوياً للجمع، ويحتمل قوله «تحول عن وقتها» أي المعتاد، وأما إطلاقه على صلاة الصبح أنها تحول عن وقتها فليس معناه أنه أوقع الفجر قبل طلوعها، وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها فيه في الحضر، ولاحجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول مابزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه، وهو بين في رواية إسرائيل الآتية حيث قال «ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع» واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع لقول ابن مسعود «مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين» وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وأنس وابن عباس وغيرهم وتقدم في موضعه بما فيه كفاية، وأيضاً فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لايقولون به، وأما من قال به فشرطه أن لايعارضه منطوق، وايضاً فالحصر فيه ليس على ظاهره لإِجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.
باب :جوزا الإرداف في الحج إن كانت الدابة تتحمل
قال البخاري : حدَّثنا عبد الله بن محمَّد : حدَّثنا وهبْ بن جرير : حدَّثنا أبي عن يونس الأَيْلِيِّ ، عن الزُّهْرِيِّ ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْد اللهِ ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهُما: أَنَّ أُسَامَةَ رضي الله عنه كان رِدفً النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، من عرفة إلى المزدلفةِ ، ثمَّ أَرْدَفَ الفَضْلِ، مِنَ المزْدلفة إلى مِنًى، قَالَ: فكلاهما قال(لم يزل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يُلَبِّي حتَّى رمى جمرةَ العَقَّبَةِ))
ورواه مسلم فقال : حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَ ابْنُ حُجْرٍ . قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللّهِ مِنْ عَرَفَاتٍ. فَلَمَا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ ، أَنَاخَ فَبَالَ. ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً خَفِيفاً. ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلاَةَ، يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ: «الصَّلاَةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ رَسُولُ اللّهِ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللّهِ غَدَاةَ جَمْعٍ.
فيه من الفوائد :
لزوم التلبية حتى يرمي الجمرة الكبرى يوم العيد
باب : من رأى أن كل صلاة منهما تكون بأذانين وإقامة
قال البخاري حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ حدَّثنا زهيرٌ حدَّثَنا أبو إسحاقَ قال سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ يقول «حجَّ عبدُاللّهِ رضيَ اللّهُ عنه، فأتَينا المزدَلفة حينَ الأذانِ بالعَتَمةِ أو قَريباً من ذلكَ، فأمرَ رجُلاً فأذَّنَ وأقام، ثمَّ صلَّى المغرِبَ، وصلَّى بعدَها ركعتَينِ، ثمَّ دَعا بعَشَائهِ فَتَعَشَّى، ثمَّ أمَرَ ـ أُرَى رجلاً ـ فأذَّنَ وأَقَامَ» قال عمرٌو ولاأعلمُ الشكَّ إلاّ من زُهيرٍ «ثمَّ صلَّى العِشَاءَ ركعتين. فلمَّا طَلَع الفَجْرُ قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان: لايُصلِّي هذِه الساعةَ إلاّ هذِه الصلاةَ في هذا المكانِ من هذا اليوم. قال عبدُالله: هما صلاتان تُحوَّلانِ عن وقتهما: صلاةُ المغربِ بعدَ مايأتي الناسُ المزدلِفةَ، والفجرُ حينَ يَبزُغ الفجرُ، قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يَفعلُه».
من الفوائد
ماقاله ابن حجر في الفتح : ..في هذا الحديث مشروعية الأذان والإِقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولو ثبت عنه لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق في هذا الحديث: قال أبو إسحق فذكرته لأبي جعفر محمد بن علي فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع، قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله، قلت أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم، ولايخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر ـ لكونه كان الإِمام الذي يقيم للناس حجهم ـ لم يتأت له في حق ابن مسعود لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لايحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاري. وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفاً ومع كونه لم يروه ويترك ماروي عن أهل المدينة وهو مرفوع، قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة وتركوا مارووا في ذلك عن ابن مسعود مع أنهم لايعدلون به أحداً. قلت: الجواب عن ذلك أن مالكاً اعتمد على صنيع عمر في ذلك وإن كان لم يروه في «الموطأ» واختار الطحاوي ماجاء عن جابر يعني في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم ورواية عن أحمد وبه قال ابن الماجشون وابن حزم وقواه الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وقال الشافعي في الجديد والثوري وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة الماضي قريباً حيث قال «فأقام المغرب ثم أناخ الناس ولم يحلوا حتى أقام العشاء» وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد .
باب : من رأى أنه بأذان وإقامتين
في حديث جابر الذي في صحيح مسلم في سرد صفة حجه عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر عرفة والصلاة فيها والدعاء قال :
فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ. وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ. وَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ. حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ. وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَليلاً. حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ . فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً. ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللّهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ. فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفَاً حَتَّى أَسْفَرَ جِدّاً. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ. وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيماً. فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللّهِ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ. فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ. فَوَضَعَ رَسُولُ اللّهِ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رَسُولُ اللّهِ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ. فَحَرَّكَ قَلِيلاً. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى.رواه مسلم
وفيه من الفوائد :
1-لم يسبح بينهما
2-وأنه نام ليلته ولم يثبت أنه صلى الوتر فدل على سنيته
3-و بادر بالصبح في أول وقته ليتفرغ بعد للدعاء
4-و ظل بالمزدلفة يدعو الله واقفا حتى أسفر جدا
5-و دفع قبل طلوع الشمس
6-وفيه توجيه وجه الفضل للشق الآخر خوفا عليه وعلى المرأة من الفتنة
7-إسراعه بالمحسر
8-سلوك الطريق الوسطى الأقرب للجمرة الكبرى وكان أول فعل فعله ذلك اليوم
9-يترجح عندي التخيير بينهما وأنهما صفات متنوعة قال الحافظ : وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد اهـ .
باب : تقديم الضعفة بليل ويكون معهم من يقوم بهم ولو لم يكن من الضعفة
قال البخاري حدَّثنا عليٌّ حدَّثَنا سفيانُ قال أخبرَني عُبيدُ اللّهِ بنُ أبي يزيدَ سمعَ ابنَ عبَّاسٍ رضيَ اللّه عنهما يقول «أنا ممن قدَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ليلةَ المزدلفةِ في ضَعَفَةِ أهله».
وقال مسلم : حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ . جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ . قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ فِي الثَّقَلِ (أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ) مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
باب :تحري الخروج من المزدلفة بعد غياب القمر للضعفة
قال البخاري : حدَّثنا مسدَّدٌ عن يحيى عنِ ابنِ جُريجٍ قال حدَّثَني عبدُ اللّهِ مولى أسماءَ عن أسماءَ «أنها نزلَتْ ليلةَ جمعٍ عندَ المزدلفةِ فقامَتْ تُصلِّي، فصلَّتْ ساعةً ثم قالت: يابُنيَّ هل غابَ القمرُ؟ قلت: لا. فصلَّتْ ساعةً ثم قالت: هل غابَ القمرُ؟ قلت: نعم. قالت: فارْتحِلوا، فارتَحَلْنا ومَضَينا، حتى رَمتِ الجمرةَ، ثمَّ رجعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبحَ في منزِلها. فقلتُ لها: ياهنتاهُ، ماأُرانا إلاّ قد غَلَّسْنا. قالت: يابُنيَّ، إن رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم أذِنَ للظُّعُن».ورواه مسلم بنحوه
فوائد
1-قال ابن حجر في الفتح «إذا غاب القمر» بيان للمراد من قوله في أول الترجمة «بليل»، ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني. قال صاحب «المغني»: لانعلم خلافاً في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: الأول حديث ابن عمر.،
2-وفي الفتح أيضا : قوله يا هنتاه : أي ياهذه
3-قوله: (إذن للظعن) بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ثم طلق على المرأة مطلقاً، وفي رواية أبي داود المذكورة «إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم» وفي رواية مالك «لقد كنا نفعل ذلك مع من هو خير منك» تعني النبي صلى الله عليه وسلّم، واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس عند من خص التعجيل بالضعفة وعند من لم يخصص، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: لايرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد وإسحق والجمهور، وزاد إسحق «ولايرميها قبل طلوع الشمس» وبه قال النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاوس والشعبي والشافعي، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر الماضي قبل هذا، واحتج إسحق بحديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لغلمان بني عبد المطلب: لاترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وابن حبان من طريق الحسن العرني ـ وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون ـ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والطحاوي من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان. وإذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى. واحتج الشافعي بحديث أسماء هذا. ويجمع بينه وبين حديث ابن عباس بحمل الأمر في حديث ابن عباس على الندب، ويؤيده ماأخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال «بعثني النبي صلى الله عليه وسلّم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر» وقال ابن المنذر: السنة أن لايرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم، ولايجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه إذ لاأعلم أحداً قال لايجزئه.
4-قال ابن حجر : واستدل به أيضاً على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، ولادلالة فيه لأن رواية أسماء ساكنة عن الوقوف، وقد بينته رواية ابن عمر التي قبلها. وقد اختلف السلف في هذه المسألة فكان بعضهم يقول: من مر بمزدلفة فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع منها في أي وقت كان من الليل فلا دم عليه ولو لم يقف مع الإمام. وقال مجاهد وقتادة والزهري والثوري: من لم يقف بها فقد ضيع نسكاً وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحق وأبي ثور، وروي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي لادم عليه مطلقاً، وإنما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وروى الطبري بسند فيه ضعف عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً «إنما جمع منزل لدلج المسلمين» وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لايتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة والنخعي، والعجب أنهم قالوا من لم يقف بها فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة، واحتج الطحاوي بأن الله لم يذكر الوقوف وإنما قال {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لايكون فرضاً. قال: ومااحتجوا به من حديث عروة بن مضرس ـ وهو بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة ـ رفعه قال «من شهد معنا صلاة الفحر بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» لإجماعهم أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام انتهى. وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم ولفظ أبي داود عنه «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالموقف ـ يعني بجمع ـ قلت: جئت يارسول الله من جبل طيء فأكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ماتركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» وللنسائي «من أدرك جمعاً مع الإِمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك» ولأبي يعلى «ومن لم يدرك جمعاً فلا حج له» وقد صنف أبو جعفر العقيل جزءاً في إنكار هذه الزيادة وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي عن عروة وأن مطرفاً كان يهم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإِمام أن الحج يفوته إلتزاماً لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه فحكى الإِجماع على الإِجزاء كما حكاه الطحاوي، وعند الحنفية يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. الحديث الرابع حديث عائشة أورده من طريقين ..اهـ
قال مسلم : ..حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ . أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ . أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللّهِ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللّهِ . قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ كَذِلِكَ، بِسَحَرٍ. قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ كَذِلَكَ.
قال مسلم : حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ . ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ . أَخْبَرَنَا عِيسَى . جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وقال مسلم : ..حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ . نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. وَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ.
فيه فوائد الباب
1-قال ابن حجر في الفتح : واحتج به ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة لأن حكم من لم يرخص له ليس كحكم من رخص له، قال: ومن زعم أنهما سواء لزمه أن يجيز المبيت على منى لسائر الناس لكونه صلى الله عليه وسلّم أرخص لأصحاب السقاية وللرعاء أن لايبيتوا بمنى، قال: فإن قال لاتعدوا بالرخص مواضعها فليستعمل ذلك هنا، ولايأذن لأحد أن يتقدم من جمع إلا لمن رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلّم انتهى. وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقال علقمة والنخعي والشعبي: من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون وإسحق: عليه دم، قالوا: ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف، وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع،
2-قال في الفتح : وفي حديث ابن عمر دلالة على جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لقوله «إن من يقدم عند صلاة الفجر إذا قدم رمى الجمرة» اهـ
باب : الوقوف عند المشعر الحرام بالليل للضعفة
قال مسلم : ..حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ . أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. فَيَقفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ. فَيَذْكُرُونَ اللّهَ مَا بَدَا لَهُمْ. ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ. وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الْفَجْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذلِكَ. فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللّهِ
قال أبو دواد :حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال : فلما أصبح يعني النبي صلى الله عليه وسلم ووقف على قزح فقال هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم .قال الألباني : حسن صحيح
جمع كلها موقف
قال مسلم : حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ . حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَرٍ . حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَابِرٍ ، فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «نَحَرْتُ هَـهُنَا. وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ. فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ. وَوَقَفْتُ هَـهُنَا. وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ. وَوَقَفْتُ هَـهُنَا. وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
باب : مراعاة حطمة الناس وجواز الدفع للضعفة قبل الناس
قال البخاري :حدَّثنا أبو نُعَيمٍ حدَّثَنا أفلحُ بنُ حُميدٍ عن القاسم بنِ محمدٍ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت «نزَلنا المزدَلفةَ ، فاستأذَنتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم سَودةُ أن تَدْفَعَ قبلَ حَطْمةِ الناسِ ـ وكانتِ امرأةً بطيئةً ـ فأذِنَ لها، فَدَفعتْ قبلَ حَطمةِ الناسِ، وأقمنا حتى أصبحنا نحنُ، ثمَّ دَفعنا بدَفعهِ، فلأنْ أكونَ استأذنتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم كما استأذَنت سَودةُ أحبُّ إليَّ من مَفْروحٍ به».
ورواه مسلم بنحوه فقال : ..حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ . حَدَّثَنَا أَفْلَحُ (يَعْني ابْنَ حُمَيْدٍ ) عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللّهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. تَدْفَعُ قَبْلَهُ. وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَكَانَتِ امْرَأَةً ثِبَطَةً. (يَقُولُ الْقَاسِمُ: والثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ) قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا. فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ. وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ. وَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللّهِ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
من الفوائد
ماقاله ابن حجر في الفتح :
1- قوله: (ثقيلة) أي من عظم جسمها.
2-قوله: (ثبطة) بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة أي بطيئة الحركة كأنها تثبط بالأرض أي تشبث بها،
3-وقال النووي في شرحه على مسلم : فيه دليل لجواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر، قال الشافعي وأصحابه: يجوز قبل نصف الليل ويجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل. واستدلوا بهذا الحديث، واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر، والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجب من تركه لزمه دم وصح حجه، وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث، وقالت طائفة هو سنة إن تركه فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم ولا غيره وهو قول للشافعي وبه قال جماعة، وقالت طائفة لا يصح حجه وهو محكي عن النخعي وغيره، وبه قال إمامان كبيران من أصحابنا وهما أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة، وحكى عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن ولا واجب ولا سنة ولا فضيلة فيه، بل هو منزل كسائر المنازل إن شاء تركه وإن شاء لم يتركه ولا فضيلة فيه وهذا قول باطل، واختلفوا في قدر المبيت الواجب فالصحيح عند الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من الليل، وفي قول له ساعة من النصف الثاني أو ما بعده إلى طلوع الشمس، وفي قول ثالث له أنه معظم الليل. وعن مالك ثلاث روايات: إحداها كل الليل، والثاني معظمه، والثالث أقل زمان.
وقال مسلم : ..حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ . نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. وَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ.
باب : لزوم التلبية حتى يرمي الجمرة يوم العيد
قال البخاري : حدَّثنا زُهير بنُ حربٍ حدَّثَنا وَهبُ بنُ جريرٍ حدَّثَنا أبي عن يونُسَ الأيليِّ عن الزُّهريِّ عن عُبيدِ اللّهِ بنِ عبدِ اللّهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما «أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ رضيَ اللّهُ عنهما كان رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم من عرفة إلى المزدَلفةِ ، ثمَّ أرْدَفَ الفضلَ منَ المزدلفِةِ إلى مِنًى، قال فكلاهما قالا: لم يَزَلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يُلبِّي حتى رمى جمرة العقَبة».
باب : صلاة الفجر بجمع قبل ميقاتها
قال البخاري : حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غياثٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ قال حدَّثَني عُمارةُ عن عبدِ الرحمنِ عن عبدِ اللّهِ رضيَ اللّهُ عنه قال «مارأيتُ النبيَّ صلى اللـه عليه وسلّم صلّى صلاةً لغيرِ مِيقاتِها، إلاّ صلاتَينِ: جَمَعَ بينَ المغرِبِ والعِشاءِ، وصلَّى الفجرَ قبلَ مِيقاتِها».
وفي رواية أخرى عند البخاري أيضا قال : حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ رجاءٍ حدَّثَنا إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ قال خرجْنا مع عبدِ اللّهِ رضيَ اللّهُ عنه إلى مكةَ، ثمَّ قدمنا جَمْعاً فصلّى الصلاتَين: كلَّ صلاةٍ وحدّها بأذانٍ وإقامة، والعَشاءُ بينهما. ثم صلَّى الفجرَ حينَ طلَعَ الفجر ـ قائلٌ يقول طَلَعَ الفجرُ، وقائلٌ يقول لم يَطْلُعِ الفجر ـ ثم قال: إنَّ رسولَ اللّهِ صلى اللـه عليه وسلّم قال: إنَّ هاتين الصلاتَينِ حُوِّلَتا عن وَقتِهما في هذا المكانِ: المغرِبَ والعِشاءَ، فلا يَقدُمُ الناسُ جَمعاً حتى يُعتموا، وصلاةَ الفجرِ هذِه الساعةَ. ثم وقفَ حتى أسفرَ ثم قال: لو أنَّ أميرَ المؤمنينَ أفاضَ الآنَ أصابَ السنَّةَ. فما أدري أقولُه كان أسرعَ أم دَفعُ عثمانَ رضيَ اللّهُ عنه، فلم يزلْ يُلبِّي حتى رمى جَمرةَ العقبةِ يومَ النحر».
الفوائد
1-قولـه: (حتى يعتموا) أي يدخلوا في العتمة وهو وقت العشاء الآخرة كما تقدم بيانه في المواقيت.الفتح
2-وقولـه (فما أدري) هو كلام عبد الرحمن بن يزيد الراوي عن ابن مسعود، وأخطأ من قال إنه كلام ابن مسعود، والمراد أن السنة الدفع من المشعر الحرام عند الإِسفار قبل طلوع الشمس، خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية كما في حديث عمر الذي بعده. الفتح
باب : متى يفيض من المزدلفة ؟
قال البخاري : حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنهالٍ حدَّثَنا شُعبةُ عن أبي إسحاقَ سمعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ يقول «شهِدتُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنه صلّى بجَمْعٍ الصبحَ، ثم وقفَ فقال: إنَّ المشركينَ كانوا لايُفيضونَ حتى تطلُعَ الشمسُ ويقولون: أشْرِقْ ثَبيرُ. وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم خالفَهم، ثمَّ أفاضَ قبلَ أن تَطلعَ الشمسُ».
الفوائد
1-(باب متى يدفع من جمع) أي بعد الوقوف بالمشعر الحرام.الفتح
2-(ويقولون: أشرق ثبير) أشرق بفتح أوله فعل أمر من الإشراق أي أدخل في الشروق، وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بكسر الهمزة كأنه ثلاثي من شرق وليس ببين، والمشهور أن المعنى لتطلع عليك الشمس وقيل: ومعناه أضىء ياجبل، وليس ببين أيضاً. وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه. زاد أبو الوليد عن شعبة «كيما نغير» أخرجه الإسماعيلي، ومثله لابن ماجة من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي إسحق، وللطبري من طريق إسرائيل عن أبي إسحق «أشرق ثيبر لعلنا نغير» قال الطبري: معناه كيما ندفع للنحر، وهو من قولهم أغار الفرس إذا أسرع في عدوه، قال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير وفي نغير لإرادة السجع.الفتح
3-قوله: (ثم افاض قبل أن تطلع الشمس) الإِفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض عمر فيكون انتهاء حديثه ماقبل هذا، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض النبي صلى الله عليه وسلّم لعطفه على قوله خالفهم، وهذا هو المعتمد. وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي «فأفاض» وفي رواية الثوري «فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلّم فأفاض» وللطبري من طريق زكريا عن أبي إسحق بسنده «كان المشركون لاينفرون حتى تطلع الشمس، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس» وله من رواية إسرائيل «فدفع لقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة» وأوضح من ذلك ماوقع في حديث جابر الطويل عند مسلم «ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس» وقد تقدم حديث ابن مسعود في ذلك وصنيع عثمان بما يوافقه، وروى ابن المنذر من طريق الثوري عن أبي إسحق «سألت عبد الرحمن بن يزيد: متى دفع عبدالله من جمع؟ قال: كإنصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة» وروى الطبري من حديث علي قال «لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف. حتى إذا أسفر دفع» وأصله في الترمذي دون قوله «حتى إذا أسفر» ولابن خزيمة والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس «كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس» وللبيهقي من حديث المسور بن مخرمة نحوه، وفي هذا الحديث فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار، وقد تقدم بيان الاختلاف فيمن دفع قبل الفجر. ونقل الطبري الإِجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتج له بعض أصحابه بأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يعجل الصلاة مغلساً إلا ليدفع قبل الشمس، فكل من بعد دفعه من طلوع الشمس كان أولى. الفتح
الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد :
باب : فيه بيان لم سميت المزدلفة بهذا الإسم ؟
بوب البخاري بابا قال فيه :
باب قولـه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الْلَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: 114)وزُلفاً: ساعاتٍ بعدَ ساعات، ومنه سُمِيت المزدَلفة ، الزُّلَف: منزلةٌ بعد منزلة ، وأما زُلفى فمصدرٌ من القُربى. ازدَلَفوا: اجتمعوا. أزلَفنا: جمعنا.
باب : لم سميت بجمع ؟
جاءت أحاديث عديدة فيها ذكر جمع فماهو سبب تسميتها؟
قال ابن حجر : (بجمع) بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة، وسميت جمعاً لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، وروي عن قتادة أنها سميت جمعاً لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل وصفت بفعل أهلها لأنه يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه بالوقوف فيها، وسميت المزدلفة إما لاجتماع الناس بها أو لاقترابهم إلى منى أو لازدلاف الناس منها جميعاً أو للنزول بها في كل زلفة من الليل أو لأنها منزلة وقربة إلى الله أو لازدلاف آدم إلى حواء بها.
باب :مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين وإفاضته من عرفات
قال مسلم : ..حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ . حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ . حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. إِلاَّ الْحُمْسَ. وَالْحمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ. كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً. إِلاَّ أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَاباً. فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ. وَكَانَتِ الْحُمْسُ لاَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ . وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (2البقرة الآية: 991). قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ. وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ. يَقُولُونَ: لاَ نُفِيضُ إِلاَّ مِنَ الْحَرَمِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.
باب أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بالسَّكينةِ عندَ الإِفاضةِ ويكون عند غروب الشمس ، وإشارتهِ إليهم بالسَّوطِ
قال البخاري : حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سُوَيدٍ حدَّثَني عمرُو بنُ أبي عمرٍو مَولى المطَّلبِ أخبرَني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ مَوْلَى والِبةَ الكوفيُّ حدَّثَني ابنُ عباسٍ رضيَ اللّهُ عنهما «أنهُ دَفَعَ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يومَ عَرفةَ، فسمعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وراءهُ زَجْراً شديداً وضَرباً وصَوتاً للإِبلِ، فأشارَ بسَوطِه إليهم وقال: «أيُّها الناسُ، عليكم بالسَّكينةِ، فإِنَّ البِرَّ ليسَ بالإِيضاعِ». أوْضعوا: أسْرَعوا. خِلالكم منَ التَّخلُّل: بينكم. {وفجَّرْنا خِلاَلُهُما} (الكهف: 33): بينهما
قال أبو دواد : حدثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن الأعمش ح وحدثنا وهب بن بيان ثنا عبيدة ثنا سليمان الأعمش المعنى عن الحكم عن مقسم عن بن عباس قال : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة وقال أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل قال فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا زاد وهب ثم أردف الفضل بن العباس وقال أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم بالسكينة قال فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى مني .قال الشيخ الألباني : صحيح
وقال أبو دواد : حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال : ثم أردف أسامة فجعل يعنق على ناقته والناس يضربون الإبل يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم ويقول السكينة أيها الناس ودفع حين غابت الشمس قال الألباني : حسن دون قوله لا يلتفت والمحفوظ يلتفت وصححه الترمذي .
قال أبو دواد : حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن بن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة قال : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الألباني : حسن صحيح
باب : كان صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإن وجد خلوة نص
قال البخاري : حدَّثنا عبدُاللّهِ بنُ يوسفَ أخبرَنا مالكٌ عن هشامِ بن عُروةَ عن أبيهِ أنه قال: «سُئلَ أُسامُة وأنا جالسٌ: كيفَ كانَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم يَسيرُ في حَجَّةِ الوَداع حينَ دَفَع؟ قال: كان يَسيرُ العَنَقَ ، فإِذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ». قال هشامٌ: والنَّصُّ فوقَ العنَقِ، قال: فَجْوَة: مُتَّسَع، والجمعُ فَجوات وفِجَاء، وكذلك رَكوة ورِكاء. «مَناصٌ» ليسَ حينَ فِرار.
باب :الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة وجواز الفصل بينهما يسيرا ولايتنفل بينهما .
قال البخاري :حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكٍ عنْ موسى بنِ عُقْبةَ عن كُرَيْبٍ مولى ابنِ عبّاسٍ عن أُسامةَ بنَ زَيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يقول: دَفَعَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم مِنْ عَرَفَةَ، حتى إذا كانَ بالشِّعْبِ نَزَلَ فبالَ، ثمَّ تَوَضَّأ ولم يُسْبغِ الوُضوءَ. فقلتُ: الصلاةَ يا رسولَ اللّهِ. فقال: الصلاةُ أَمامَكَ. فَرَكِبَ. فلمّا جاءَ المُزْدلِفةَ نَزَلَ فتوَضَأ فأسْبَغَ الوُضوءَ ثمَّ أُقيمَتِ الصلاةُ فصلَّى المَغْرِبَ، ثمَّ أَناخَ كلُّ إِنسانٍ بَعيرَهُ في مَنزلِه، ثمَّ أُقيمَتِ العِشاءُ فصلَّى، ولم يُصَلِّ بينَهما.
وقال البخاري : حدَّثنا آدَمُ حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عن سالمِ بنِ عبدِ اللّهِ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللّهُ عنهما قال «جَمَع النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بينَ المغربِ والعِشاءِ بجمْعٍ. كلُّ واحدةٍ منهما بإِقَامَة ولم يُسَبِّح بَيْنهما، ولا على إثْرِ كُلِّ واحدةٍ منهما».
وقال أبو دواد بعد رواية ساقها لابن عمر - بنحو ماذكره البخاري -: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا حماد بن خالد عن بن أبي ذئب عن الزهري : بإسناده ومعناه وقال بإقامة إقامة جمع بينهما قال أحمد قال وكيع صلى كل صلاة بإقامة . قال الألباني : صحيح
وقال البخاري : حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلدٍ حدَّثَنا سليمانُ بنُ بلالٍ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ قال: أخبرَني عَديُّ بنُ ثابتٍ قال: حدَّثَني عبدُ اللّهِ بنُ يزيدَ الخَطْميُّ قال: حدَّثَني أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ «أنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم جَمعَ في حَجَّةِ الوَداعِ المغرِبَ والعِشاءَ بالمُزْدلفةِ».
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك قال : صليت مع بن عمر المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين فقال له مالك بن الحرث ما هذه الصلاة قال صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بإقامة واحدة . قال الألباني : صحيح بزيادة لكل صلاة .
من الفوائد لهذا الباب :
1-ماقاله النووي في شرحه على مسلم : وفيه الجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء في هذه الليلة في المزدلفة وهذا مجمع عليه لكن اختلفوا في حكمه، فمذهبنا أنه على الاستحباب فلو صلاهما في وقت المغرب أو في الطريق أو كل واحدة في وقتها جاز وفاتته الفضيلة،
2-(ولم يصل بينهما شيئا)قال النووي : «ولم يصل بينهما شيئاً» ففيه أنه لا يصلي بين المجموعتين شيئاً، ومذهبنا استحباب السنن الراتبة لكن يفعلها بعدهما لا بينهما، ويفعل سنة الظهر التي قبلها قبل الصلاتين والله أعلم. قلت : فيه نظر في صلاة الرواتب فإنه يتركها الحاج والله أعلم .
3-وماقاله ابن حجر في القتح : يستفاد منه –رواية ابن عمر - أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء تؤخر سنة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الاجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما. انتهى ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده (قلت : أي في صحيح البخاري ويقصد حديث ابن مسعود الآتي بعد بابين ).
ومنه قوله :
(بالمزدلفة)-يقصد في حديث أبي أيوب - مبين لقوله في رواية مالك عن يحيى بن سعيد التي أخرجها المصنف في المغازي بلفظ «أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجة الوداع المغرب والعشاء جميعاً» وللطبراني من طريق جابر الجعفي عن عدي بهذا الإسناد «صلى بجمع المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة» وفيه رد على قول ابن حزم: إن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولاإقامة، لأن جابراً وإن كان ضعيفاً فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني أيضاً فيقوى كل واحد منهما بالآخر.
باب : ذكر رواية فيها بيان أن الفصل كان بعد العشاء وليس بين الصلاتين كما في الرواية السابقة
قال مسلم : ..حدّثنا إِسْحَـقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ . حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ . أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، : كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللّهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ للْمَغْرِبِ. فَأَنَاخَ رَسُولَ اللّهِ نَاقَتَهُ وَبَالَ (وَمَا قَالَ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ) ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً لَيْس بِالْبَالِغِ. فقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللّهِ الصَّلاَةَ. فَقَالَ: «الصَّلاَةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ. فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ. ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ. وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ. فَصَلَّى. ثُمَّ حَلُّوا. قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ. وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.ورواه مسلم
فيه من الفوائد
تخفيف الوضوء ثم إسباغه بمكان آخر
باب : تنقل ابن مسعود بينهما
قال البخاري : حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ حدَّثنا زهيرٌ حدَّثَنا أبو إسحاقَ قال سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ يقول «حجَّ عبدُاللّهِ رضيَ اللّهُ عنه، فأتَينا المزدَلفة حينَ الأذانِ بالعَتَمةِ أو قَريباً من ذلكَ، فأمرَ رجُلاً فأذَّنَ وأقام، ثمَّ صلَّى المغرِبَ، وصلَّى بعدَها ركعتَينِ، ثمَّ دَعا بعَشَائهِ فَتَعَشَّى، ثمَّ أمَرَ ـ أُرَى رجلاً ـ فأذَّنَ وأَقَامَ» قال عمرٌو ولاأعلمُ الشكَّ إلاّ من زُهيرٍ «ثمَّ صلَّى العِشَاءَ ركعتين. فلمَّا طَلَع الفَجْرُ قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان: لايُصلِّي هذِه الساعةَ إلاّ هذِه الصلاةَ في هذا المكانِ من هذا اليوم. قال عبدُالله: هما صلاتان تُحوَّلانِ عن وقتهما: صلاةُ المغربِ بعدَ مايأتي الناسُ المزدلِفةَ، والفجرُ حينَ يَبزُغ الفجرُ، قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يَفعلُه».
من الفوائد :
ماقاله ابن حجر في الفتح :
1-(فأمر رجلاً) لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد فإن في رواية حسن وحسين المذكورتين «فكنت معه فأتينا المزدلفة، فلما كان حين طلع الفجر قال قم، فقلت له إن هذه الساعة مارأيتك صليت فيها».
2-(حج عبدالله) في رواية أحمد عن حسن بن موسى، وللنسائي من طريق حسين بن عياش كلاهما عن زهير بالإسناد «حج عبدالله بن مسعود فأمرني علقمة أن ألزمه فلزمته فكنت معه» وفي رواية إسرائيل الآتية بعد باب «خرجت مع عبدالله إلى مكة ثم قدمنا جمعاً».
3- واستدل بحديث ابن مسعود على جواز التنفل بين الصلاتين لمن أراد الجمع بينهما لكون ابن مسعود تعشى بين الصلاتين، ولاحجة فيه لأنه لم يرفعه، ويحتمل أن لايكون قصد الجمع، وظاهر صنيعه يدل على ذلك لقوله إن المغرب تحول عن وقتها فرأى أنه وقت هذه المغرب خاصة، ويحتمل أن يكون قصد الجمع وكان يرى أن العمل بين الصلاتين لايقطعه إذا كان ناوياً للجمع، ويحتمل قوله «تحول عن وقتها» أي المعتاد، وأما إطلاقه على صلاة الصبح أنها تحول عن وقتها فليس معناه أنه أوقع الفجر قبل طلوعها، وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها فيه في الحضر، ولاحجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول مابزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه، وهو بين في رواية إسرائيل الآتية حيث قال «ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع» واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع لقول ابن مسعود «مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين» وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وأنس وابن عباس وغيرهم وتقدم في موضعه بما فيه كفاية، وأيضاً فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لايقولون به، وأما من قال به فشرطه أن لايعارضه منطوق، وايضاً فالحصر فيه ليس على ظاهره لإِجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.
باب :جوزا الإرداف في الحج إن كانت الدابة تتحمل
قال البخاري : حدَّثنا عبد الله بن محمَّد : حدَّثنا وهبْ بن جرير : حدَّثنا أبي عن يونس الأَيْلِيِّ ، عن الزُّهْرِيِّ ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْد اللهِ ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهُما: أَنَّ أُسَامَةَ رضي الله عنه كان رِدفً النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، من عرفة إلى المزدلفةِ ، ثمَّ أَرْدَفَ الفَضْلِ، مِنَ المزْدلفة إلى مِنًى، قَالَ: فكلاهما قال(لم يزل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم يُلَبِّي حتَّى رمى جمرةَ العَقَّبَةِ))
ورواه مسلم فقال : حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَ ابْنُ حُجْرٍ . قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللّهِ مِنْ عَرَفَاتٍ. فَلَمَا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ ، أَنَاخَ فَبَالَ. ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً خَفِيفاً. ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلاَةَ، يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ: «الصَّلاَةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ رَسُولُ اللّهِ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللّهِ غَدَاةَ جَمْعٍ.
فيه من الفوائد :
لزوم التلبية حتى يرمي الجمرة الكبرى يوم العيد
باب : من رأى أن كل صلاة منهما تكون بأذانين وإقامة
قال البخاري حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ حدَّثنا زهيرٌ حدَّثَنا أبو إسحاقَ قال سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ يقول «حجَّ عبدُاللّهِ رضيَ اللّهُ عنه، فأتَينا المزدَلفة حينَ الأذانِ بالعَتَمةِ أو قَريباً من ذلكَ، فأمرَ رجُلاً فأذَّنَ وأقام، ثمَّ صلَّى المغرِبَ، وصلَّى بعدَها ركعتَينِ، ثمَّ دَعا بعَشَائهِ فَتَعَشَّى، ثمَّ أمَرَ ـ أُرَى رجلاً ـ فأذَّنَ وأَقَامَ» قال عمرٌو ولاأعلمُ الشكَّ إلاّ من زُهيرٍ «ثمَّ صلَّى العِشَاءَ ركعتين. فلمَّا طَلَع الفَجْرُ قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان: لايُصلِّي هذِه الساعةَ إلاّ هذِه الصلاةَ في هذا المكانِ من هذا اليوم. قال عبدُالله: هما صلاتان تُحوَّلانِ عن وقتهما: صلاةُ المغربِ بعدَ مايأتي الناسُ المزدلِفةَ، والفجرُ حينَ يَبزُغ الفجرُ، قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يَفعلُه».
من الفوائد
ماقاله ابن حجر في الفتح : ..في هذا الحديث مشروعية الأذان والإِقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولو ثبت عنه لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق في هذا الحديث: قال أبو إسحق فذكرته لأبي جعفر محمد بن علي فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع، قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله، قلت أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم، ولايخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر ـ لكونه كان الإِمام الذي يقيم للناس حجهم ـ لم يتأت له في حق ابن مسعود لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لايحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاري. وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفاً ومع كونه لم يروه ويترك ماروي عن أهل المدينة وهو مرفوع، قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة وتركوا مارووا في ذلك عن ابن مسعود مع أنهم لايعدلون به أحداً. قلت: الجواب عن ذلك أن مالكاً اعتمد على صنيع عمر في ذلك وإن كان لم يروه في «الموطأ» واختار الطحاوي ماجاء عن جابر يعني في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم ورواية عن أحمد وبه قال ابن الماجشون وابن حزم وقواه الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وقال الشافعي في الجديد والثوري وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة الماضي قريباً حيث قال «فأقام المغرب ثم أناخ الناس ولم يحلوا حتى أقام العشاء» وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد .
باب : من رأى أنه بأذان وإقامتين
في حديث جابر الذي في صحيح مسلم في سرد صفة حجه عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر عرفة والصلاة فيها والدعاء قال :
فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ. وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ. وَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ. حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ. وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَليلاً. حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ . فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً. ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللّهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ. فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفَاً حَتَّى أَسْفَرَ جِدّاً. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ. وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيماً. فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللّهِ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ. فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ. فَوَضَعَ رَسُولُ اللّهِ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رَسُولُ اللّهِ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ. فَحَرَّكَ قَلِيلاً. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى.رواه مسلم
وفيه من الفوائد :
1-لم يسبح بينهما
2-وأنه نام ليلته ولم يثبت أنه صلى الوتر فدل على سنيته
3-و بادر بالصبح في أول وقته ليتفرغ بعد للدعاء
4-و ظل بالمزدلفة يدعو الله واقفا حتى أسفر جدا
5-و دفع قبل طلوع الشمس
6-وفيه توجيه وجه الفضل للشق الآخر خوفا عليه وعلى المرأة من الفتنة
7-إسراعه بالمحسر
8-سلوك الطريق الوسطى الأقرب للجمرة الكبرى وكان أول فعل فعله ذلك اليوم
9-يترجح عندي التخيير بينهما وأنهما صفات متنوعة قال الحافظ : وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد اهـ .
باب : تقديم الضعفة بليل ويكون معهم من يقوم بهم ولو لم يكن من الضعفة
قال البخاري حدَّثنا عليٌّ حدَّثَنا سفيانُ قال أخبرَني عُبيدُ اللّهِ بنُ أبي يزيدَ سمعَ ابنَ عبَّاسٍ رضيَ اللّه عنهما يقول «أنا ممن قدَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ليلةَ المزدلفةِ في ضَعَفَةِ أهله».
وقال مسلم : حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ . جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ . قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ فِي الثَّقَلِ (أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ) مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
باب :تحري الخروج من المزدلفة بعد غياب القمر للضعفة
قال البخاري : حدَّثنا مسدَّدٌ عن يحيى عنِ ابنِ جُريجٍ قال حدَّثَني عبدُ اللّهِ مولى أسماءَ عن أسماءَ «أنها نزلَتْ ليلةَ جمعٍ عندَ المزدلفةِ فقامَتْ تُصلِّي، فصلَّتْ ساعةً ثم قالت: يابُنيَّ هل غابَ القمرُ؟ قلت: لا. فصلَّتْ ساعةً ثم قالت: هل غابَ القمرُ؟ قلت: نعم. قالت: فارْتحِلوا، فارتَحَلْنا ومَضَينا، حتى رَمتِ الجمرةَ، ثمَّ رجعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبحَ في منزِلها. فقلتُ لها: ياهنتاهُ، ماأُرانا إلاّ قد غَلَّسْنا. قالت: يابُنيَّ، إن رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم أذِنَ للظُّعُن».ورواه مسلم بنحوه
فوائد
1-قال ابن حجر في الفتح «إذا غاب القمر» بيان للمراد من قوله في أول الترجمة «بليل»، ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني. قال صاحب «المغني»: لانعلم خلافاً في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: الأول حديث ابن عمر.،
2-وفي الفتح أيضا : قوله يا هنتاه : أي ياهذه
3-قوله: (إذن للظعن) بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ثم طلق على المرأة مطلقاً، وفي رواية أبي داود المذكورة «إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم» وفي رواية مالك «لقد كنا نفعل ذلك مع من هو خير منك» تعني النبي صلى الله عليه وسلّم، واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس عند من خص التعجيل بالضعفة وعند من لم يخصص، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: لايرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد وإسحق والجمهور، وزاد إسحق «ولايرميها قبل طلوع الشمس» وبه قال النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاوس والشعبي والشافعي، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر الماضي قبل هذا، واحتج إسحق بحديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لغلمان بني عبد المطلب: لاترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وابن حبان من طريق الحسن العرني ـ وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون ـ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والطحاوي من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان. وإذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى. واحتج الشافعي بحديث أسماء هذا. ويجمع بينه وبين حديث ابن عباس بحمل الأمر في حديث ابن عباس على الندب، ويؤيده ماأخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال «بعثني النبي صلى الله عليه وسلّم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر» وقال ابن المنذر: السنة أن لايرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم، ولايجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه إذ لاأعلم أحداً قال لايجزئه.
4-قال ابن حجر : واستدل به أيضاً على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، ولادلالة فيه لأن رواية أسماء ساكنة عن الوقوف، وقد بينته رواية ابن عمر التي قبلها. وقد اختلف السلف في هذه المسألة فكان بعضهم يقول: من مر بمزدلفة فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع منها في أي وقت كان من الليل فلا دم عليه ولو لم يقف مع الإمام. وقال مجاهد وقتادة والزهري والثوري: من لم يقف بها فقد ضيع نسكاً وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحق وأبي ثور، وروي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي لادم عليه مطلقاً، وإنما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وروى الطبري بسند فيه ضعف عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً «إنما جمع منزل لدلج المسلمين» وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لايتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة والنخعي، والعجب أنهم قالوا من لم يقف بها فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة، واحتج الطحاوي بأن الله لم يذكر الوقوف وإنما قال {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لايكون فرضاً. قال: ومااحتجوا به من حديث عروة بن مضرس ـ وهو بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة ـ رفعه قال «من شهد معنا صلاة الفحر بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» لإجماعهم أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام انتهى. وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم ولفظ أبي داود عنه «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالموقف ـ يعني بجمع ـ قلت: جئت يارسول الله من جبل طيء فأكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ماتركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» وللنسائي «من أدرك جمعاً مع الإِمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك» ولأبي يعلى «ومن لم يدرك جمعاً فلا حج له» وقد صنف أبو جعفر العقيل جزءاً في إنكار هذه الزيادة وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي عن عروة وأن مطرفاً كان يهم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإِمام أن الحج يفوته إلتزاماً لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه فحكى الإِجماع على الإِجزاء كما حكاه الطحاوي، وعند الحنفية يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. الحديث الرابع حديث عائشة أورده من طريقين ..اهـ
قال مسلم : ..حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ . أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ . أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللّهِ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللّهِ . قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ كَذِلِكَ، بِسَحَرٍ. قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ كَذِلَكَ.
قال مسلم : حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ . ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ . أَخْبَرَنَا عِيسَى . جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وقال مسلم : ..حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ . نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. وَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ.
فيه فوائد الباب
1-قال ابن حجر في الفتح : واحتج به ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة لأن حكم من لم يرخص له ليس كحكم من رخص له، قال: ومن زعم أنهما سواء لزمه أن يجيز المبيت على منى لسائر الناس لكونه صلى الله عليه وسلّم أرخص لأصحاب السقاية وللرعاء أن لايبيتوا بمنى، قال: فإن قال لاتعدوا بالرخص مواضعها فليستعمل ذلك هنا، ولايأذن لأحد أن يتقدم من جمع إلا لمن رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلّم انتهى. وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقال علقمة والنخعي والشعبي: من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون وإسحق: عليه دم، قالوا: ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف، وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع،
2-قال في الفتح : وفي حديث ابن عمر دلالة على جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لقوله «إن من يقدم عند صلاة الفجر إذا قدم رمى الجمرة» اهـ
باب : الوقوف عند المشعر الحرام بالليل للضعفة
قال مسلم : ..حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ . أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. فَيَقفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ. فَيَذْكُرُونَ اللّهَ مَا بَدَا لَهُمْ. ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ. وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الْفَجْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذلِكَ. فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللّهِ
قال أبو دواد :حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال : فلما أصبح يعني النبي صلى الله عليه وسلم ووقف على قزح فقال هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم .قال الألباني : حسن صحيح
جمع كلها موقف
قال مسلم : حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ . حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَرٍ . حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَابِرٍ ، فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «نَحَرْتُ هَـهُنَا. وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ. فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ. وَوَقَفْتُ هَـهُنَا. وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ. وَوَقَفْتُ هَـهُنَا. وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
باب : مراعاة حطمة الناس وجواز الدفع للضعفة قبل الناس
قال البخاري :حدَّثنا أبو نُعَيمٍ حدَّثَنا أفلحُ بنُ حُميدٍ عن القاسم بنِ محمدٍ عن عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها قالت «نزَلنا المزدَلفةَ ، فاستأذَنتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم سَودةُ أن تَدْفَعَ قبلَ حَطْمةِ الناسِ ـ وكانتِ امرأةً بطيئةً ـ فأذِنَ لها، فَدَفعتْ قبلَ حَطمةِ الناسِ، وأقمنا حتى أصبحنا نحنُ، ثمَّ دَفعنا بدَفعهِ، فلأنْ أكونَ استأذنتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم كما استأذَنت سَودةُ أحبُّ إليَّ من مَفْروحٍ به».
ورواه مسلم بنحوه فقال : ..حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ . حَدَّثَنَا أَفْلَحُ (يَعْني ابْنَ حُمَيْدٍ ) عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللّهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. تَدْفَعُ قَبْلَهُ. وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ وَكَانَتِ امْرَأَةً ثِبَطَةً. (يَقُولُ الْقَاسِمُ: والثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ) قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا. فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ. وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ. وَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللّهِ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
من الفوائد
ماقاله ابن حجر في الفتح :
1- قوله: (ثقيلة) أي من عظم جسمها.
2-قوله: (ثبطة) بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة أي بطيئة الحركة كأنها تثبط بالأرض أي تشبث بها،
3-وقال النووي في شرحه على مسلم : فيه دليل لجواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر، قال الشافعي وأصحابه: يجوز قبل نصف الليل ويجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل. واستدلوا بهذا الحديث، واختلف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر، والصحيح من مذهب الشافعي أنه واجب من تركه لزمه دم وصح حجه، وبه قال فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث، وقالت طائفة هو سنة إن تركه فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم ولا غيره وهو قول للشافعي وبه قال جماعة، وقالت طائفة لا يصح حجه وهو محكي عن النخعي وغيره، وبه قال إمامان كبيران من أصحابنا وهما أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة، وحكى عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن ولا واجب ولا سنة ولا فضيلة فيه، بل هو منزل كسائر المنازل إن شاء تركه وإن شاء لم يتركه ولا فضيلة فيه وهذا قول باطل، واختلفوا في قدر المبيت الواجب فالصحيح عند الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من الليل، وفي قول له ساعة من النصف الثاني أو ما بعده إلى طلوع الشمس، وفي قول ثالث له أنه معظم الليل. وعن مالك ثلاث روايات: إحداها كل الليل، والثاني معظمه، والثالث أقل زمان.
وقال مسلم : ..حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ . نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى. وَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ.
باب : لزوم التلبية حتى يرمي الجمرة يوم العيد
قال البخاري : حدَّثنا زُهير بنُ حربٍ حدَّثَنا وَهبُ بنُ جريرٍ حدَّثَنا أبي عن يونُسَ الأيليِّ عن الزُّهريِّ عن عُبيدِ اللّهِ بنِ عبدِ اللّهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما «أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ رضيَ اللّهُ عنهما كان رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم من عرفة إلى المزدَلفةِ ، ثمَّ أرْدَفَ الفضلَ منَ المزدلفِةِ إلى مِنًى، قال فكلاهما قالا: لم يَزَلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يُلبِّي حتى رمى جمرة العقَبة».
باب : صلاة الفجر بجمع قبل ميقاتها
قال البخاري : حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غياثٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ قال حدَّثَني عُمارةُ عن عبدِ الرحمنِ عن عبدِ اللّهِ رضيَ اللّهُ عنه قال «مارأيتُ النبيَّ صلى اللـه عليه وسلّم صلّى صلاةً لغيرِ مِيقاتِها، إلاّ صلاتَينِ: جَمَعَ بينَ المغرِبِ والعِشاءِ، وصلَّى الفجرَ قبلَ مِيقاتِها».
وفي رواية أخرى عند البخاري أيضا قال : حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ رجاءٍ حدَّثَنا إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ قال خرجْنا مع عبدِ اللّهِ رضيَ اللّهُ عنه إلى مكةَ، ثمَّ قدمنا جَمْعاً فصلّى الصلاتَين: كلَّ صلاةٍ وحدّها بأذانٍ وإقامة، والعَشاءُ بينهما. ثم صلَّى الفجرَ حينَ طلَعَ الفجر ـ قائلٌ يقول طَلَعَ الفجرُ، وقائلٌ يقول لم يَطْلُعِ الفجر ـ ثم قال: إنَّ رسولَ اللّهِ صلى اللـه عليه وسلّم قال: إنَّ هاتين الصلاتَينِ حُوِّلَتا عن وَقتِهما في هذا المكانِ: المغرِبَ والعِشاءَ، فلا يَقدُمُ الناسُ جَمعاً حتى يُعتموا، وصلاةَ الفجرِ هذِه الساعةَ. ثم وقفَ حتى أسفرَ ثم قال: لو أنَّ أميرَ المؤمنينَ أفاضَ الآنَ أصابَ السنَّةَ. فما أدري أقولُه كان أسرعَ أم دَفعُ عثمانَ رضيَ اللّهُ عنه، فلم يزلْ يُلبِّي حتى رمى جَمرةَ العقبةِ يومَ النحر».
الفوائد
1-قولـه: (حتى يعتموا) أي يدخلوا في العتمة وهو وقت العشاء الآخرة كما تقدم بيانه في المواقيت.الفتح
2-وقولـه (فما أدري) هو كلام عبد الرحمن بن يزيد الراوي عن ابن مسعود، وأخطأ من قال إنه كلام ابن مسعود، والمراد أن السنة الدفع من المشعر الحرام عند الإِسفار قبل طلوع الشمس، خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية كما في حديث عمر الذي بعده. الفتح
باب : متى يفيض من المزدلفة ؟
قال البخاري : حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنهالٍ حدَّثَنا شُعبةُ عن أبي إسحاقَ سمعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ يقول «شهِدتُ عمرَ رضيَ اللّهُ عنه صلّى بجَمْعٍ الصبحَ، ثم وقفَ فقال: إنَّ المشركينَ كانوا لايُفيضونَ حتى تطلُعَ الشمسُ ويقولون: أشْرِقْ ثَبيرُ. وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم خالفَهم، ثمَّ أفاضَ قبلَ أن تَطلعَ الشمسُ».
الفوائد
1-(باب متى يدفع من جمع) أي بعد الوقوف بالمشعر الحرام.الفتح
2-(ويقولون: أشرق ثبير) أشرق بفتح أوله فعل أمر من الإشراق أي أدخل في الشروق، وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بكسر الهمزة كأنه ثلاثي من شرق وليس ببين، والمشهور أن المعنى لتطلع عليك الشمس وقيل: ومعناه أضىء ياجبل، وليس ببين أيضاً. وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه. زاد أبو الوليد عن شعبة «كيما نغير» أخرجه الإسماعيلي، ومثله لابن ماجة من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي إسحق، وللطبري من طريق إسرائيل عن أبي إسحق «أشرق ثيبر لعلنا نغير» قال الطبري: معناه كيما ندفع للنحر، وهو من قولهم أغار الفرس إذا أسرع في عدوه، قال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير وفي نغير لإرادة السجع.الفتح
3-قوله: (ثم افاض قبل أن تطلع الشمس) الإِفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض عمر فيكون انتهاء حديثه ماقبل هذا، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض النبي صلى الله عليه وسلّم لعطفه على قوله خالفهم، وهذا هو المعتمد. وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي «فأفاض» وفي رواية الثوري «فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلّم فأفاض» وللطبري من طريق زكريا عن أبي إسحق بسنده «كان المشركون لاينفرون حتى تطلع الشمس، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس» وله من رواية إسرائيل «فدفع لقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة» وأوضح من ذلك ماوقع في حديث جابر الطويل عند مسلم «ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس» وقد تقدم حديث ابن مسعود في ذلك وصنيع عثمان بما يوافقه، وروى ابن المنذر من طريق الثوري عن أبي إسحق «سألت عبد الرحمن بن يزيد: متى دفع عبدالله من جمع؟ قال: كإنصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة» وروى الطبري من حديث علي قال «لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف. حتى إذا أسفر دفع» وأصله في الترمذي دون قوله «حتى إذا أسفر» ولابن خزيمة والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس «كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس» وللبيهقي من حديث المسور بن مخرمة نحوه، وفي هذا الحديث فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار، وقد تقدم بيان الاختلاف فيمن دفع قبل الفجر. ونقل الطبري الإِجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتج له بعض أصحابه بأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يعجل الصلاة مغلساً إلا ليدفع قبل الشمس، فكل من بعد دفعه من طلوع الشمس كان أولى. الفتح